تُصنع العدالة ويُحقّ الحقّ في كل استجواب يُديره القاضي بحكمة، وفي كلّ إجراء يتّخذه في قضيّة وكلّ حيثيّة يَصوغها لبناء حكمه. إلاّ أن الثقة بالقضاء ليست فقط نتيجة القرارات والأحكام والإجراءات، بل وليدة ملاقاة سلوك القاضي بأنظمة المؤسّسة القضائيّة الداخليّة وقِيمها. وقد شدّدت مبادئ بنغالور للسلوك القضائي (2002) على هذا الأمر؛ إذ أكّدت على أنّ توافر المعايير الاحترافيّة لدى القاضي لا تكفي لكي يشعر المتقاضون بأن حقوقهم تُبحَث أمام سلطة تحترمهم وتتعامل بعدالة مع قضاياهم، بل يقتضي أن تتوافر بيئة عمل صحيّة تدعم هذه النظرة لا بل تُمثِّلها.
ويمكن تعريف بيئة العمل القضائي من خلال المكوّنات أو العناصر المؤثّرة فيها، ومنها:
- البيئة الفيزيائيّة/الماديّة: مبنى، قاعات محكمة، مكاتب قضاة ومساعدين قضائيّين، أماكن حفظ الملفات، أدوات عمل رئيسيّة، بنية تحتيّة تكنولوجية مناسبة، دورات مياه ملائمة، الكهرباء، نظافة المكان، إلخ…
- الظروف التنظيمية: عبء العمل، عدد القضاة والموظّفين، زمن الجلسات، توزيع القضايا، الخدمات الإدارية، التشاركيّة في اتخاذ القرارات التنظيميّة، سياسات الإجازات والتعويض، الرواتب والمحفّزات، الفرص الوظيفيّة، إلخ…
- الأنظمة والسياسات القضائيّة الداخليّة: آليات لحماية استقلاليّة القاضي ونزاهته وشفافية الإجراءات وحقه في الوصول إلى المعلومات وفي تأمين الموارد والتدريب…
في هذا الإطار، وتفعيلاً للمادة 11 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، بادر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى توحيد الجهود القضائيّة العالميّة لمواجهة التحدّيات المرتبطة بنزاهة القضاء، فأُطلِقت، في العام 2018، الشبكة العالميّة للنزاهة القضائيّة. وقد انصبّ اهتمامها في العام 2021 على جمع معطيات عن الصحّة الجسديّة والنفسيّة للعاملين في الحقل القضائي في سياق القيام بالمهام القضائية، واستكشاف الروابط بين الرفاه القضائي judicial well-being وبين النزاهة القضائية من خلال استبيان شمل أكثر من 750 قاضياً وعاملاً في الحقل القضائي أو معنيّاً به من 102 بلداً.
صدر التقرير المتضمّن تحليلاً للبيانات المجموعة في آذار 2022، وقد خلص إلى نتائج لافتة؛ إذ تبيّن أن أكثر من ثلاثة أرباع المشاركين أكّدوا عدم امتلاكهم الوقت الكافي للعناية بصحتّهم الجسديّة والنفسيّة، كما أشارت غالبيّة المشاركين إلى الضغط الناتج عن أعباء العمل المفرطة، تراكم الملفات غير المفصولة، وعدم القدرة على التحكّم بحجم العمل وما ينتج عنه من إحباط وفقدان الحافز. فيما اتفق 97% على أنّ صحة القاضي الجسديّة والنفسيّة شرطٌ أساسي لتعزيز النزاهة وجودة الأحكام ورأوا أن الضغط والاحتراق الوظيفي occupational burnout والإرهاق عوامل تقوّض حياديّة القاضي واستقلاليّته وكفاءته وفعاليّته، وبالتالي، تقوّض فعاليّة النظام القضائي بأكمله.
وقد شدّد التقرير على ضرورة “اعتراف الأنظمة القضائيّة” بهذه المشكلة وتأثيرها على أداء القضاء، كما شدّد على أهميّة اعتماد سياسات واضحة لدعم القضاة، من إدارة أعباء العمل وعدالة توزيعها، إلى توفير مقوّمات عمل مناسبة وآليات مساندة مؤسساتيّة تضمن استقلال القضاة وقدرتهم على أداء مهامهم بأعلى درجات النزاهة.
تزامن هذا التقرير مع صدور المبادئ التوجيهيّة لمنظمة الصحة العالمية بشأن الصحة النفسية في العمل (2022)، التي أكّدت بدورها على أن الصحة النفسيّة تشكّل جزءاً لا يتجزّأ من صحتنا العامّة وعافيتنا وهي حق أساسي من حقوق الإنسان. واعتَبَرت تردّي بيئات العمل- بما فيها تلك المتّسمة بالتمييز وعدم المساواة، وأعباء العمل المفرطة، وضعف المشاركة في القرارات المتعلّقة بالعمل وانعدام الأمان الوظيفي – خطراً على الصحّة النفسيّة. وأضافت أنه “يترتب على ضعف الصحة النفسية تأثير سلبي على سلامة الشخص المعرفيّة والسلوكيّة والانفعاليّة والاجتماعيّة والمرتبطة بعلاقاته وأدائه، وعلى صحّته البدنيّة، وهويّته الشخصيّة، ويمكن أن تُضعف قدرة الشخص على المشاركة في العمل من خلال انخفاض الإنتاجيّة والأداء، أو انخفاض القدرة على العمل بأمان، أو صعوبة الاحتفاظ بالعمل أو الحصول عليه”.
في هذه الأثناء، وبعد تردّي ظروف العمل القضائي في لبنان إلى درجات غير مسبوقة، رغم التحرّكات القضائيّة الجماعيّة والمطالبات الفرديّة عبر السنوات، انفجَرت صرخة القضاة العاملين في قصر العدل في بعبدا بتاريخ 2 شباط 2022 عبر رسالة وجّهتها رئيسة محكمة الاستئناف آنذاك الرئيسة غادة أبو كروم (الرئيسة الأولى لمحكمة الاستئناف في البقاع وعضو مجلس القضاء الأعلى حالياً) والتي تبنّاها ثلّة من القضاة العاملين في بعبدا وقد ورد فيها: “أن نُترَكَ لنمارس عملنا في العتمة والبرد وبين النفايات ومن دون إمكانية استعمال دورة المياه يعني أن إنسانيتنا هي على المحك وأننا مُجرّدون من كلّ قيمة حتى من أدناها” (صورة كاملة للرسالة مرفقة ربطاً).
وبنتيجة تفاقم الضغوط التي يرزح تحتها القضاة في مختلف البلدان، من غير موارد كافية ولا تقدير مُستحَقّ، عُقِد في تموز 2024 عُقِد مؤتمر النزاهة ورفاه القضاء الإقليمي في ناورو بتنظيم من مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة بالشراكة مع السلطة القضائية في ناورو. وقد خَلُص المجتمعون إلى اعتماد “إعلان ناورو بشأن رفاه القضاء”، الذي يؤكد أنّ صحة القضاة وعافيتهم أمر حاسم لضمان نزاهة القضاء واستقلاله وجودة العدالة التي تُقدَّم للناس. وأقرّ الإعلان سبعة مبادئ موجِّهة في هذا المجال أهمّها أن رفاه القضاء Judicial well-being ركيزة أساسيّة لضمان عدالة ناجعة ومنصفة، وأن استقلال القضاء وثقة الناس به رهن بسلامة العاملين فيه. إضافة إلى التأكيد على وجوب الإقرار بأنّ ما يقاسيه القضاة من مصاعب وضغوط نفسيّة لا تُعد ضعفاً ولا قصوراً عن أداء الواجب القضائي.
استنادًا إلى ما ورد في إعلان ناورو، اعتمدت الجمعيّة العامة للأمم المتحدة في آذار 2025 القرار رقم 79/266، الذي أُعلن بموجبه يوم 25 تموز يومًا دوليًا للرفاه القضائي. وحظي هذا القرار بدعم أكثر من 70 دولة، وتم تبنّيه من قبل 160 دولة عضو (منها لبنان)، مع امتناع ثلاث دول عن التصويت ومعارضة الولايات المتحدة.
وقد رُبط هذا اليوم ارتباطاً مباشراً بالإطارات القانونية الدولية، مثل اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، تأكيداً على أنّ رفاه القضاء يُسهم في مكافحة الفساد، وتيسير الوصول إلى العدالة، وترسيخ السلام المستدام.
إذاً، “رفاه القضاء” ليس “رفاهيّةً” تدخل ضمن “كماليّات” العمل القضائي، بل هو ضرورة عمليّة لازمة ومؤثّرة بشكل مباشر في نوعيّة العدالة المُنتَجة، كما أنه ضرورة عمليّة ملازِمة لصحة السلوك والعمل القضائي. ورفاه القضاء لا يشمل الصحة الجسديّة والنفسيّة للقضاة والمساعدين القضائيّين فحسب، بل لكلّ مَن يعمل أو يتفاعل مع الحقل القضائي ككلّ من أجهزة مساعدة للقضاء (قوى أمنيّة، وإدارات حكوميّة، وسجون، إلخ…)، ومحامين ومتقاضين وأكاديميّين وروّاد لقصور العدل.
وعلى الرغم من غياب الدراسات البحثيّة التي تتناول سلامة بيئة العمل القضائي في لبنان، إلاّ أن التحرّكات القضائيّة المتلاحقة والبيانات الصادرة عن الجمعيّات العموميّة للقضاة وعن نادي قضاة لبنان والمطالب الفرديّة والجماعيّة الموجّهة إلى مجلس القضاء الأعلى فضلاً عن مواقف نقابتي المحامين والمقالات الصادرة عن جهات مختلفة ناشطة في هذا المجال، تُظهر عمق الأزمة التي تعصف ببيئة العمل القضائي.
بناءً على كل ما تقدّم، يتوجّب على الإدارة القضائيّة في لبنان، ممثّلة بمجلس القضاء الأعلى، وعلى وزارة العدل، التي يقع على عاتقها تأمين الموارد الضروريّة لعمل المحاكم، ما يلي:
أولاً: الاعتراف، بشكلٍ علنيّ صريح، بالتردّي الخطير واللاإنسانيّ لبيئة العمل القضائي في لبنان، وبتأثير هذا الواقع المتردّي على جودة الأداء القضائي؛
ثانياً: تحمّل كلّ منهما، في نطاق صلاحيّاته، المسؤوليّة الملقاة على عاتقه والمبادرة فوراً إلى تأمين مستلزمات بيئة العمل القضائي السّليم وتوفير الموارد اللازمة لذلك، كشرط أوليّ لازم لأيّ إصلاح قضائيّ مأمول.
في 4/12/2025
القاضي ساندرا المهتار
كلمات مفتاحية: بيئة العمل القضائي #اتفاقية_الأمم_المتحدة_لمكافحة_الفساد #مبادئ_بنغالور # الشبكة_العالمية_للنزاهة_القضائية #إعلان_ناورو_بشأن_رفاه_القضاء #الاحتراق_الوظيفي #الإدارة_القضائية #القاضي_والقضاء #الأداء_القضائي

أضف تعليق